يحيى بن معاذ الرازي
21
جواهر التصوف
9 - « التوحيد في كلمة واحدة : ما تصوّر في الأوهام فهو خلافه » [ الصفوة : 4 / 96 ] * يحيط بالإنسان أشياء كثيرة لا يستطيع الادعاء بأنه يعرف سرها ، حتى في نفسه ، فمثلا إذا أراد أن يحرك ذراعه ، حركه في أي اتجاه شاءه بمجرد أن يخطر ذلك على فكره . . فكيف تتحرك ذراعه وهي قوة عضلية تلبية لإرادته ، وهي مجرد خاطر ؟ . . لا يدرى . هذا الأمر ومثيله كثير لا يخطر على بال أغلب الناس . . ولكن الأمر مختلف بالنسبة للذات الإلهية ، فكثيرا ما تسرح أوهام الخلق فيها ، وهي أجل وأعظم من أن تدركها العقول أو تحيط بها الأفهام . قال تعالى : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [ الأنعام : 103 ] . * ومن التوجيهات النبوية في التحرز من هذا المنزلق الخطير : « إن الشيطان يأتي أحدكم فيقول : من خلق السماء ؟ فيقول الله ، فيقول : من خلق الأرض ؟ فيقول : الله ، فيقول : من خلق الله ؟ ! فإذا وجد ذلك أحدكم فليقل : آمنت بالله ورسوله » وفي رواية لابن أبي الدنيا « فإن ذلك يذهب عنه » والحديث « تفكّروا في خلق الله ، ولا تفكّروا في الله » والحديث « تفكروا في آلاء الله ، ولا تفكروا في الله » . فمتى طرأت هذه الأفكار على العقل يجب المسارعة إلى حسمها وعدم الاسترسال فيها وعليه أن يقول : آمنت بالله ورسوله ويتشهد ويستعيذ بالله من الشيطان ، ثم يحوّل مسار فكره إلى تذكر نعم الله أو التفكر فيما يراه من عظيم أفعاله وآثاره ، وفي هذا كفاية ودليلا على جلال ذاته وعظيم صفاته . وقال العلامة القارئ في أماليه : نسمى الله شيئا لا كالأشيا * وذات عن جهات السّتّ خالى * * * 10 - « من لم ينتفع بأفعال شيخه لم ينتفع بأقواله » [ طبقات الشعراني : 1 / 182 ] . ملاحظة الفعل أثناء وقوعه أبعد أثرا في النفس ، وأثبت في الذاكرة من سماع القول ، وذلك لانفراد البصر برؤية شئ بعينه في وقت ما لا تستطيع معه رؤية شئ آخر في غير جهته في ذلك الوقت ، بينما الأذن تتداخل فيها الأصوات ، وقد تكون الأقوال كثيرة فينسى بعضها بعضا . . كما أن الحال أقوى من القال ، ومن طابقت أفعاله أقواله كان صادقا ، وللصّدق قوة روحيّة تترك في النفوس أثرا لا ينمحى سواء بالقول أو بالفعل . . ومن لم يكن باطنه كظاهره خرجت كلماته باردة باهتة ، نهاية مداها الآذان ، ثم تروح في طي النسيان . . وفي هذه حكاية طريفة . . ذهب عبد إلى شيخ أثير عند سيّده ، وسأله أن يكلّم سيده في عتقه للّه ، واستجاب الشيخ لرجاء العبد ، ولكنه تخلّف